ماوراء تغوّل الوهابية وتحالف نايف معها
قد يكون من سخرية القدر أن يأتي هلاك الدولة السعودية على يد
الوهابية، أو أن تصبح أداة من أدوات إنهائها، أو الممهّد لنهايتها.
وتكمن السخرية في حقيقة أن الوهابية ورموزها كانوا عنصراً أساسياً
في بناء الدولة السعودية الحالية، وفي تشكيل هويتها، وفي إدارتها،
وفي شرعنة الحكم القائم فيها؛ وفي الدفاع والحماية عن النظام السعودي
ومصالح أهل نجد الذين ينتسب اليهم الوهابيون في السعودية.
عبثاً حاول حماة النظام الأميركيون، بعيد أحداث سبتمبر 2001،
الفات نظر العائلة المالكة، بل والضغط عليها بقدر ما، أن تفك عرى
ارتباطها بالوهابية. وعبثاً يحاول كثير من الكتاب السعوديين إفهام
العائلة المالكة بأن الوهابية لم تعد معوّقاً لنمو الدولة الطبيعي
فحسب، بل أداة فعّالة في تقويض نظام الحكم؛ وأنها ليست فقط حاضنة
للعنف ضد النظام، ومنها ظهرت القاعدة وعلى أفكارها تربت قياداتها،
بل أن طغيان الوهابية ومشايخها جلب لنظام الحكم الكره والمعارضة
من قبل المواطنين الآخرين والذين يمثلون الأكثرية في السعودية،
باعتباره حامياً وراعياً لها.

المال السعودي منقذ صناعة السلاح الأميركي
يقول العارفون أنه كلما إزدادت المداخيل المالية من بيع النفط
كلما ازدادت وتيرة صفقات التسلّح وبأثمان عالية، وبطبيعة الحال
سيصحب ذلك ويعقبه رشاوى فلكية. ولا علاقة للصفقات العسكرية بأوضاع
أمنية أو جيوسياسية في المنطقة تدفع لهذا النوع من جنون التسلّح،
فالأمر يتعلق بمعادلة بات الجميع يرددها: نحن ندفع بهذه الصفقات
الجنونية ثمن حماية الولايات المتحدة للعرش السعودي من أموالنا
ونفطنا. فقد أنفقت السعودية في الفترة ما بين 2007 ـ 2010 ما يقرب
من 13.8 مليار دولار على الأسلحة الغربية، وبذلك تتصدر قائمة زبائن
شركات التصنيع العسكري في العالم لأكثر من عقد.
أكّدت وحدة البحوث في الكونغرس الأميركي على أن مجلس التعاون
الخليجي كان أكبر مشترٍ للأسلحة في العام 2010. وفي تقرير أعدّه
ريتشارد جريميت، جاء بأن السعودية تلقّت أسلحة تقدّر بـ 1.2 مليار
دولار من مزوّدين غربيين وأجانب في العام الماضي.

الإحياء السلفي في السعودية
مشروعية أقلويّة و(مطب) وطني
إلتزاماً بحقوق النشر والتأليف، نذكّر القارىء الكريم بان استعمال
وصف (مطب وطني) للندوة التي رعاها وزير الداخلية وولي العهد الأمير
نايف في الندوة التي أقيمت في الرياض حول السلفية في نهاية العام
الماضي، هي من ابداعات زياد ادريس، في مقاله بعنوان (السلفية..هل
هذا وقتها؟) الذي نشرته صحيفة (الحياة) في 4 يناير الجاري.
|
| صورة من المؤتمر |
مالذي يرمي إليه وزير الداخلية الأمير نايف من إعادة إنتاج
وترسيخ الأسس السلفية للدولة، في ظل الإنقسامات العميقة
الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية، وبالنظر الى حقيقة كون
السلفيّة تمثّل أقلية عدّدية في هذا البلد، ما يجعل الدولة
نفسها ذات طابع أقلوي.. هل ثمة خشية من أن الأسس الدينية التي
قامت عليها الدولة السعودية قد تآكلت ما يتطلب مشروع انبعاث
سلفي يعيد للدولة مشروعيتها وقاعدتها الإجتماعية النجدية التي
تتعرض اليوم لانشطارات بنيوية إجتماعية وعقدية، وبالتالي قد
تكون محاولة لإعادة بناء المشروعية الدينية التي تهدّمت منذ
عقد، وصار الوسط الديني منقسماً حيال الأسس الدينية للدولة
السعودية؟ أم هل يعني ذلك، على سبيل المثال،

تجاذب بين الإتجاهين التقليدي والحركي
الإرباك سيّد السلفيّة
حالة من الإرباك غير مسبوقه يعيشها التيار السلفي في السعودية،
فمن جهة يتموقع في موجة صعود الإسلاميين في أكثر من بلد عربي شهد
انتفاضة شعبية ويحتسبه إنتصاراً كبيراً لم يكن يحلم به من قبل،
ومن جهة أخرى يدرك المنتمون له ردود فعل النظام السعودي على أي
تغيير في قواعد اللعبة الداخلية، خصوصاً مع ظهور تيار سلفي يترسخ
اعتقاده في أن ولاية الأمر مقتصرة على العلماء دون سواهم، وأن
العلماء هم الموكلون بشؤون العامة، وأن الأمراء تبع لهم يأتمرون
بأوامرهم، وينتهون عمّا نهوا عنه.
كان الربيع العربي إختباراً جديّاً بالنسبة للتيار السلفي السعودي،
فهو من جهة مدجّج بفتاوى تحرّض على (تحكيم الشريعة) في مقابل كتلة
فتاوى تحظر (الخروج على الحاكم/الأمير/الإمام) ما لم يظهر منه
كفرٌ بواح يخرج من الملّة، بل بلغ الحال بالمدرسة السلفية أن أغلقت
الباب بإحكام على فكرة الخروج مطلقاً، واختارت طاعة الأمير فيما
أطاع الله فحسب، أما في المعصية فلا طاعة، ولكن دون الخروج.
إذاً مالذي حدث في الربيع العربي؟

الحرب التي لا تفهما السعودية
السعودية تستعجل الحرب على إيران. تتمنّاها أن تقع اليوم قبل
الغد. والإعلام السعودي ـ خاصة قناة العربية وجريدة الشرق الأوسط
ـ يظهر تلك الرغبة والإستعجال وكأن نهاية النظام في إيران قد لاحت،
وكأن الحرب مجرد نزهة، يقوم بها الإمريكي نيابة عن السعودية كيما
تستعيد الأخيرة مكانتها الإقليمية، بعد أن فشلت في ميدان المنافسة
السياسية.
الحرب كما يقول الشاعر الجاهلي امرئ القيس، مغرية في بدايتها،
بشعة في نهايتها:
ﺍﻟﺤﺭﺏُ ﺃﻭّلُ ﻤﺎ ﺘﻜـﻭﻥ ﻓﺘيّةً/ ﺘﺴﻌﻰ ﺒﺯﻴﻨﺘﻬـﺎ ﻟﻜل ﺠﻬﻭلِ
ﺤﺘﻰ ﺇﺫﺍ ﺍﺴﺘﻌﺭﺕ ﻭﺸﺏّ ﻀﺭﺍﻤُﻬﺎ/ ﻋﺎﺩﺕ ﻋﺠﻭﺯﺍً ﻏﻴر ﺫﺍﺕِ ﺨﻠﻴلِ
ﺸﻤﻁﺎﺀَ ﺠـﺯّﺕ ﺭﺃﺴﻬﺎ ﻭﺘﻨﻜّﺭﺕْ/ ﻤﻜﺭﻭﻫﺔ ﻟﻠﺸﻡّ ﻭﺍﻟﺘﻘﺒﻴلِ
آل سعود ليسوا رجال حرب، ولا جيش السعودية جيش حرب، لم يدخل
حرباً يمتحن فيها، بل دخل أقلّ من ربع حرب، حين واجه الحوثيين
فخسر فيها خسارة كبرى، ودخل الحوثيون واستولوا على 47 موقعاً داخل
الأراضي السعودية.
إذن لماذا التحريض السعودي على الحرب؟ الملك عبدالله يقول للأمريكيين
ـ كما تثبت وثائق ويكيليكس ـ اضربوا إيران فهي (رأس الأفعى) حسب
تعبيره؛ والإسرائيليون يقولون ذات الكلام، ويحرضون الإدارة الإميركية
على ذات الفعل، ويعمل اللوبيان الإسرائيلي والسعودي في واشنطن
بشكل منسّق لتحقيق غاية موحدة.

نهايتها الفشل
المبادرة السعودية: هل تغتال الثورة اليمنية؟
كانت مبادرة سعودية محضة، تحوّلت الى مبادرة خليجية حتى يسهل
استمراؤها وقبولها. ذلك أن قوى عديدة في اليمن لا تشعر بارتياح
من الدور السعودي المتطفّل والداعم لعلي
 |
| انتهى عصر طاغية والعمل جار على استبداله!
|
عبدالله صالح. وبالرغم من انسحاب قطر من المبادرة، فإن الدول الخليجية
الأخرى لم تعارضها، وإن لم تكن ترتاح لعلي صالح. لكن من المؤكد
أن كل دول الخليج، بما فيها قطر، تريد انتقالاً للسلطة من علي
صالح (الى يد أمينة)! واليد الأمينة ليست إلا إزاحة علي عبدالله
صالح وقلة من الوجوه الأخرى، والإتيان بوجوه معروفة كانت موجودة
في السلطة اصلاً، أو لها علاقات وثيقة بالسعودية بالذات، مع تفويت
الفرصة أمام نجاح الثورة بشكل كامل، ومنع أية قوى معارضة لا يرتاح
لها الغرب ولا السعودية، وبالذات الطلبة والشباب الذين أشعلوا
الثورة، وكذلك الحوثيين الذين هم قوة ضاربة وذات تأثير سياسي كبير،
منعهم وتهميشهم عبر المبادرة السعودية.
الآن وقد قبل علي عبدالله صالح بالمبادرة، في جراحة تجميلية
لوجه النظام، فإن الجهد الغربي الخليجي ينصبّ على تشكيل
البديل، الذي هو في واقعه يشمل معظم ان لم نقل كل الوجوه
السياسية القديمة، وبالتالي ـ

التغيير في السعودية
كتب دويل ماكمانوس، الصحافي في جريدة (لوس أنجلس تايمز) مقالاً
في 25 كانون الأول (ديسمبر) الماضي بعنوان (التغيير في السعودية)
جاء فيه:
حققت النساء في السعودية إنتصاراً صغيراً هذا العام (2011)
ولكنه واعدٌ. لا، لم يسمح لهم بقيادة السيارة، فذلك لا يزال ممنوعاً.
غالباً، لا يستطعن العمل، والسفر، أو حتى فتح حسابات بنكية دون
موافقة ولي أمر ذكر. ولكنّ بإمكانهن الحصول على هذا: تستطيع النساء
السعوديات الآن شراء ملابس داخلية من المحلات فيها محاسبات نساء،
بدلاً من أحياناً الرجال غير المستقيمين الذين اعتادوا توظيف المقابلين
(أي الرجال). وإذا ما استمرت موجة اللبرلة المعتدلة، فقد يحظون
بغرف ملائمة المقاس (fitting rooms).
قد لا تبدو لافتة على هذا النحو، ولكن في عملية التحديث الجامدة
في المملكة ذات الصلّة بالتقاليد، فإنها خطوة هامة. (إنها بداية
التغيير الاجتماعي الحقيقي)، بحسب إيمان نفيجان، وهي واحدة من
الجيل الجديد من الناشطات السعوديات، وقد أخبرتني بذلك خلال تناول
القهوى في الرياض، العاصمة، الاسبوع الفائت. وتضيف (سيسمح ـ القانون
الجديد ـ للمزيد من النساء بالعمل في الأسواق التجارية. وأن تلك
خطوة باتجاه المزيد من الفرص لتوظيف النساء بصورة عامة).

(أولو الأمر) والمعارضة
ليست لدينا في المملكة تجارب سياسية راسخة في المعارضة كما
في الحكم؛ و(أولو الأمر!) يعتقدون بأن وجود من يختلف معهم طامة
كبرى، ولا يريدون أن يمهلوا أحداً كما أمهل الله إبليس الى يوم
يبعثون! بل يريدون محاسبته هنا! هناك نرجسية لدى (أولي الأمر)
في موقفهم تجاه من يعارضهم، مع أنه لا يشرف نظاماً أن يقال بأن
ليس له من يختلف معه في الرأي. بل هناك من الأمراء والمشائخ السلفيين
من يرى سب الذات الإلهية أهون عليه من التعرّض للحاكم بالنقد.
السياسة عندنا شأن خاص خلاف كل الدنيا. فمن يتعاطاها هم محدودون
ولا يجب أن يتحدث فيها أحد أو ينقاشها أحد أو أن يعتبر أحدنا نفسه
معني بما يجري له وما يقرر له. فالشيوخ أبخص، وهم لا يريدون أن
يتسيس الناس ولا أن يتعاطوا الشأن العام. حتى المظاهرة المؤيدة
لا يريدونها، وحتى النقد البسيط لا يتحملونه، وحتى الكتابة على
الحيطان يسجن المئات ولا نقول العشرات بسببها، بل أنه في مناطق
كالشرقية يطلقون النار على من يكتب الشعارات المعارضة على الجدران.
وحتى الكتاب والمنشور يصبح جريمة كبرى وتآمراً (على الوطن!).

2012: عام الثورة المضادة
السعودية وتركيا لحماية إسرائيل!
كتب ليون هادار، محلل الشؤون الدولية، والصحافي، والمدّون،
والمؤلف مقالاً في 30 كانون الأول (ديسمبر)، نشر في صحيفة (سينجابور
بيزنس تايمز)، قبل أن يعاد نشرها في مواقع أخرى
من بينها (ريلكليروورد). قال هادار بأن العام المنصرم كان عام
المتظاهر، حسب مجدلة التايم. فالإنبعاث الجماهيري الذي استهدف
النخب السياسية الحاكمة في كل من تونس أولاً، ومن ثم في مصر، وليبيا،
وسوريا، واليمن، والبحرين لم يقتصر على الشرق الأوسط. فقد أخذت
التظاهرات مكانها في أسبانيا، واليونان، وايطاليا، وفرنسا، وبريطانيا،
واسرائيل. وفي الولايات المتحدة، بدأ متظاهرو (احتلوا وول ستريت)
بالتظاهر أولاً في نيويورك، ومن ثم في واشنطن، وشيكاغو، ومدن أخرى
في البلاد.
الانتفاضات العالمية في العام 2011 ضد الأوضاع القائمة جرت
مقارنتها بالثورات التي انتشرت عبر أوروبا في العام 1848، حيث
سعى الاشتراكيون في الطبقة العاملة وليبراليو الطبقة الوسطى في
باريس، ميلان، فيينا، براغ، بودابست وبرلين بإسقاط الأنظمة القديمة.

|